أبي حيان التوحيدي
73
المقابسات
العلم في العالم مبثوث * ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات منفوضة على جميع من على جديد الأرض ، ولهذا غلب علم في مكان دون مكان ، وكثرت صناعة في بقعة دون بقعة ، وهذا واضح ، والزيادة عليه مشغلة ؛ ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك ، لو كانت يونان معروفة بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة ، والفطرة الظاهرة ، والبنية المخالفة ، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا ما قدروا ، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا ، وأن السكينة نزلت عليهم ، والحق تكفل بهم ، والخطأ تبرأ منهم ، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم ، والرذائل بعدت عن جواهرهم وعروقهم ؟ ! وهذا جهل ممن يظنه بهم ، وعناد ممن يدعيه عليهم ؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم ، يصيبون في أشياء ، ويخطئون في أشياء ، ويصدقون في أمور ، ويكذبون في أمور ، ويحسنون في أحوال ، ويسيئون في أحوال ! وليس واضع المنطق يونان بأسرها ! إنما هو رجل منهم ، وقد أخذ عمن قبله ، كما أخذ عنه من بعده ، وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير والجم الغفير ، وله مخالفون منهم ومن غيرهم . ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ « 1 » وطبيعة ! فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله ، أو يؤثر فيه ؟ هيهات ! هذا محال . ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان قبل منطقه ؛ وامسح وجهك بالسلوة عن شئ لا يستطاع ، لأنه مفتقد بالفطرة والطّباع . وأنت فلو فرّغت بالك ، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها ، وتجارينا فيها ، وتدرس أصحابك بمفهوم أهلها ، وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها ، لعلمت أنك غنى عن معاني يونان ، كما أنك غنى عن لغة يونان . وهاهنا مسألة ؛ أنقول إن الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة ؟
--> ( 1 ) السنخ : الأصل